
في عشاء في منزل السفير أحمد حسين سفير مصر في واشنطن خلال سنة 1955 حضره
جمال عبدالناصر وبعض أعضاء مجلس الثورة، و”إريك جونستون” المبعوث الخاص
للرئيس الأمريكي "أيزنهاور” وصاحب المشروع الشهير باسمه لاستغلال مياه
الأردن و”كيرميت روزفلت” حفيد تيودور روزفلت رئيس الولايات المتحدة
الأمريكية في بداية القرن الماضي، و”هنري بايرود” السفير الأمريكي في
القاهرة . دارت أحاديث طويلة
وكثيرة واستفسارات من كل من "جونستون” و”روزفلت” وكان الرئيس جمال
عبدالناصر يقول بين الوقت والآخر، إن "بايرود” يعرف الإجابة عن كل ما
تسألون عنه يقصد مواقف مصر الرسمية من كل من هذه الأسئلة ولقد قلت له رأينا
في كل ما تسألون عنه أكثر من مرة. وفجأة قال السفير "بايرود”: "سيدي الرئيس إنني أعرف هذا كله، ولكنني لا أعرف لماذا ضُرب أحد رجالي اليوم في مدينة السويس”.
نظر كل الحضور إلى "بايرود” بدهشة كبيرة لتحويله مجرى الحديث والمناقشة،
وللعصبية المكبوتة في كلماته، واستمر "بايرود” قائلاً: "إن المستر "فينش”
الملحق العمالي في سفارتي كان يقوم بزيارة لمصنع تكرير البترول في مدينة
السويس، وقد ضربه العمال هناك إلى حد كاد يفضي به إلى الموت”. قال
عبدالناصر بهدوء: "إن المستر "فينش” كما تقول معلوماتنا ليس مجرّد ملحق
عمالي بالسفارة، ولكنه ممثل للمخابرات المركزية الأمريكية ال "CIA”. ولقد
طلبنا إليكم أكثر من مرة أن يمتنع عن الذهاب إلى المناطق العمالية، لكنه ما
زال مصراً على عدم الالتزام بما نصحنا به وعليه أن يتحمل نتائج أية مشاكل
تقع له من جانب نقابات العمال التي تعرف طبيعة مهمته وترفض دخوله وسط
عمالنا”. قال "بايرود”: "أخشى أن أقول يا سيدي الرئيس إن عمالكم
تصرفوا بطريقة غير متحضرة”.. فنظر إليه جمال عبدالناصر وقام بإطفاء سيجارته
على مائدة أمامه ثم قال: "سوف أتركك الليلة تقرأ كتاباً عن الحضارة
المصرية وتاريخها البعيد، وعندما تتعلم منه شيئاً نتكلم مرة أخرى..”. قام عبدالناصر ومبعوثا أيزنهاور اللذان سارا معه حتى باب السيارة يحاولان الاعتذار، وبقي "بايرود” وحده في الصالون.
|