في عام 1965م كانت مصر تخوض في اليمن حرباً إلى جانب الشعب اليمني دفاعاً
عن ثورة 26 سبتمبر والنظام الجمهوري وفي العام نفسه وضع الرئيس الأمريكي
ليندن جونسون هدفاً أساسياً لإدارته هو إسقاط النظام في مصر وأعلن حصاراً
اقتصادياً لتجويع الشعب المصري ومنع بيع القمح الأمريكي لمصر وتزامن هذا
الإعلان مع اعتراف وثائق المخابرات
المركزية الأمريكية بانها أسقطت (سوكارنو) واغتالت (لومومبا) وأبعدت
(نكروما) عن الحكم كما أعلنت المخابرات المركزية الأمريكية وقوفها خلف
سلسلة انقلابات في عدد من دول أفريقيا التي تجاوبت مع جهود عبد الناصر
الرامية إلى إقامة تضامن آسيوي أفريقي في إطار حركة عدم الانحياز
واللهي لم تتغير سياسة أمريكا منذ وجدت على الخريطة تجاه الوطن العربي
في هذه الظروف تحرك الإخوان المسلمون لقلب نظام الحكم واغتيال جمال عبد
الناصر وفشلت خطة الإخوان وكان هناك يقين بأن الغزو من الداخل لن ينجح مع
مصر فكان الغزو من الخارج عام 1967م الذي استهدف أيضاً إسقاط النظام في مصر
بحسب اعتراف زعماء إسرائيل
من المفارقات العجيبة أن الرئيس
الأمريكي جونسون كتب في مذكراته انه عندما جاءته أنباء انتصار الجيش
الإسرائيلي قال إن هذا أعظم خبر سمعناه فيما أعلن أحد شيوخ الإخوان
المسلمين البارزين وهو محمد متولي الشعراوي انه صلى لله ركعتين شكراً على
انتصار إسرائيل وهزيمة الجيش المصري عندما كان يشتغل بالتدريس في الجزائر
عام 1967م
وحين كشفت السلطات المصرية مؤامرة الإخوان المسلمين
الثانية لقلب نظام الحكم قال رموزهم إنها تمثيلية أخرى مدبرة علماً بأن
الأستاذ محمد حسنين هيكل رد على الذين زعموا بأن محاولة اغتيال جمال عبد
الناصر في الاسكندرية عام 1954م كانت تمثيلية حيث نشر في كتابه ملفات
السويس اعترافات المتهمين أمام المحكمة إلى جانب وثيقتين بخط يد المرشد
العام حسن الهضيبي والشخص الذي قام بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر ووثيقة
ثالثة أخرى بخط يد عبد القادر عودة عضو مكتب الإرشاد المتورط بحادث
الاغتيال وتضمنت هذه الوثائق الخطية بالإضافة إلى الاعترافات معلومات
تفصيلية مثيرة حول ضلوع أقطاب الإخوان وفي مقدمتهم عضو مكتب الإرشاد
عبدالقادر عودة في هذه المؤامرة الدموية الدنيئة
والثابت ان
الإخوان المسلمين درجوا على وصف هذه الاعترافات التي نشرت حول مؤامرة
الإخوان الثانية عام 1965م بأنها تمت تحت التعذيب بيد أنهم اعترفوا بعد
سنوات في كتبهم التي نشروها أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات بكل ما سبق
لهم أن نفوه وظهروا أمام الله والناس بأنهم كانوا يكذبون باسم الدين الذين
نصبوا من أنفسهم حراساً عليه في الدنيا
في كتابها أيام
من حياتي شرحت زينب الغزالي مؤامرة عام 1965م التي كانت واحدة من الضالعين
فيها وحكم عليها بالسجن 25 عاماً ثم أفرج عنها السادات في أوائل السبعينات
أثناء تحالفه مع الإخوان المسلمين
تروي زينب الغزالي في الباب
الثالث من كتاب أيام من حياتي تفاصيل مثيرة عن علاقاتها بالقيادي الإخواني
الشيخ عبدالفتاح إسماعيل الذي تعرفت عليه في السعودية عام 1957م وكيف
بايعته في الكعبة على السمع والطاعة والجهاد في سبيل الله وما الذي عملته
تنفيذاً لهذه البيعة بعد عودتها إلى مصر ثم تمضي قائلة
كانت خطة
العمل تستهدف تجميع كل من يريد خدمة الإسلام لينضم إلينا وكان ذلك كله مجرد
بحوث ووضع خطط حتى نعرف طريقنا فلما قررنا أن نبدأ العمل كان لابد من
استئذان المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي لان دراساتنا الفقهية حول قرار
حل جماعة الإخوان المسلمين انتهت إلى أنه باطل كما أن جمال عبد الناصر ليس
له أي ولاء ولا تجب له أية طاعة على المسلمين والسبب هو أنه لا يحكم بكتاب
الله وتشير السيدة زينب الغزالي بعد ذلك إلى أن الهضيبي أوكل جميع
المسؤوليات الخاصة بتنفيذ هذه الخطط إلى سيد قطب
يجمع الباحثون
على أن كتاب معالم في الطريق هو انجيل التطرف وعلى أساس أفكار هذا الكتاب
صاغ فقهاء وأمراء الجماعات الإسلامية المتطرفة شعاراتهم وبرامجهم وإذ يحاول
الإخوان المسلمون إعلان براءتهم من هذا الكتاب وحصر المسؤولية عنه في سيد
قطب فقط وتبرير تطرف أفكار الكاتب بظروف السجن التي عاشها المؤلف إلا أن
الحقائق تدل على عكس ذلك وتفضح صلة الإخوان المسلمين ومرشدهم العام بهذا
الكتاب وأفكاره المدمرة وافق المرشد العام حسن الهضيبي على كتاب سيد قطب
الذي أرسله إليه من السجن وراجعه ملزمة ملزمة وأمر بطباعته وفقاً للروايات
التي جاءت في عدة كتب صدرت بعد رحيل عبد الناصر بعشرين عاماً وفي مقدمتها
كتاب زينب الغزالي ايام من حياتي
في هذا السياق قالت زينب الغزالي
في كتابها أيام من حياتي إن التنظيم أعيد بناؤه بصورة سرية بعد قرار حله
وكانت بداية إعادة البناء سنة 1975م بعلم المرشد العام الهضيبي ومباركته
على أن يتولاه سيد قطب فيما أشارت اعترافات المتهمين بمؤامرة 1965م أمام
المحكمة إلى أن التنظيم بدأ بجمع الأسلحة واستغل طاقات الشباب بصنع
المتفجرات وإعداد خطط الاغتيالات لعدد كبير من المسؤولين وفي مقدمتهم جمال
عبد الناصر بل إن إحدى الخلايا اهتدت بالمنهاج الدعوي للإخوان المسلمين
الذي يعتبر الراديو والتلفزيون والسينما والفنون والموسيقى والنحت والتصوير
أعمالاً محرمة في الإسلام ومنافية للأخلاق ولذلك تم وضع خطط لتدمير هذه
المرافق واغتيال نجوم الفن ومن ضمنهم أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ
ونجاة وشادية وغيرهم
كما اقترحت الخطط اغتيال عدد من مذيعات
التلفزيون ومن بينهم ليلى رستم وأماني راشد، ثم أعدت خطط لاغتيال سفراء كل
من الاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية لخلق
مشكلة بين مصر وهذه الدول وكان تدريب الخلايا الجهادية يتم على ثلاث مراحل
هي مرحلة الإعداد الروحي ثم الإعداد الجسدي بالمصارعة والمشي والطاعة
وأخيراً الإعداد العسكري بالتدريب على السلاح
وفي شهادة
أخرى اعترف القيادي الإخواني احمد عبد المجيد في كتابه الصادر عام 1991م
بعنوان الإخوان ومعركتهم مع عبد الناصر انه بحث خطة اغتيال عبد الناصر مع
سيد قطب وان تمويل التنظيم كان يأتي من الخارج وانه كان يتم تدريب الشباب
على وضع القنابل والمتفجرات مشيراً إلى أن لقاءً سرياً انعقد في منزل علي
العشماوي بحي شبرا وحضر هذا اللقاء الشيخ عبدالفتاح إسماعيل والشيخ محمد
فتحي رفاعي وقد طرحت في هذا اللقاء مأمورية اغتيال جمال عبد الناصر على
أساس أن يكون ما بين عشرين إلى ثلاثين استشهادياً مستعدين للموت والشهادة
وانهم على صلة بالأستاذ المرشد حسن الهضيبي وانهم استأذنوه لهذا العمل
فوافق وبالتالي يعتبر هذا العمل شرعياً لانه موثق من ولي الأمر والقيادة
الشرعية
من جانبه اعترف علي عشماوي في مذكراته التي نشرها بعد
اطلاق سراحه في عهد السادات أن الإخوان حاولوا قتل عبد الناصر سنة 1954م
وكرروا ذلك مرة أخرى سنة 1965م واعترف أيضاً بخططهم للنسف والتدمير وتخزين
الأسلحة كما تحدث عما اسماها مجموعة البحث العلمي التي كانت تضم خريجي
الإخوان من كليات العلوم قسم الكيمياء الفيزياء الأحياء وخريجي كلية
الهندسة وباحثين في المركز القومي للبحوث والطاقة الذرية وكانت مهمة هذه
المجموعة إجراء البحوث والتجارب على صنع المتفجرات والأحزمة والمواد
الناسفة والقنابل والسموم خصوصاً وان احدى خطط الاغتيال كانت تشتمل على
بدائل وخيارات عديدة بينها قتل جمال عبد الناصر بالسم
ثمة اعتراف آخر لأحد المشاركين في مؤامرة 1965م وهو القيادي الإخواني احمد
رائف الذي اعتاد على الظهور في قناة (الجزيرة) لتشويه صورة الرئيس جمال عبد
الناصر متناسيا أنه اصدر عام 1985م الطبعة الخامسة من كتابه البوابة
السوداء الذي اعترف فيه بإعادة بناء تنظيم الإخوان المسلمين وزعامة سيد قطب
له بتكليف من المرشد العام
كما اعترف بخطة اغتيال جمال عبد
الناصر التي وضعها عبد العزيز علي وبحصولهم على أسلحة من إخوان السعودية
إلى قرية دراو مشيراً إلى أن الهدف من هذه الأسلحة هو إحداث قلاقل في مصر
لمواجهة دعمها العسكري والسياسي والمادي للثورة اليمنية حيث أفتى سيد قطب
والشيخ عبدالفتاح إسماعيل بأن من يرفض الاشتراك في حرب اليمن من الضباط
والجنود ويتعرض للمحاكمة العسكرية ويعدم فهو شهيد من أهل الجنة
ويمضي احمد رائف قائلاً إن علي عشماوي خرج من عند الأستاذ سيد قطب مستبشراً
بسبب موافقة الأخير على خطة عشماوي لقتل جمال عبد الناصر وعبدالحكيم عامر
وعلي صبري وزكريا محي الدين وكانت ثقة الإخوان راسخة بان الأمور ستهدأ بعد
قتل هؤلاء الطواغيت
في يوم 7 أغسطس 1965م كان الرئيس جمال عبد
الناصر يلتقي مع الطلبة العرب الدارسين في موسكو حيث أعلن أمامهم عن ضبط
مؤامرة جديدة للإخوان المسلمين منوّهاً بأن الثورة رفعت الأحكام العرفية
قبل سنوات وصفت المعتقلات وأصدرت قانوناً لكي يعود المعتقلون إلى أعمالهم
غير أن السلطة ضبطت مؤامرة جديدة مدعومة بالأسلحة والأموال التي وصلت إليهم
من سعيد رمضان في الخارج