شهدت العلاقات المصرية_ السوفيتية تطوراً مستمراً بعد موقف الاتحاد
السوفيتى من المعاونة فى بناء السد العالى ومساعدته لمصر فى تمويل احتياجات
خطة التنمية بشروط ميسرة . ولم يكن بعيداً عن ادراك عبد الناصر أن لكل من الدولتين الكبيرتين فى العالم أهدافاً خاصة . ولكن القضية ببساطة كانت أمامه كالتالى :
دولة كبرى _الولايات المتحدة_ تعادى نظامه ، منبعاً وجذوراً ، ودولة كبرى _
الاتحاد السوفيتى_ من مصلحتها معاونة مصر على بناء قدرتها الذاتية فى
التنمية ودعمها فى المحافل الدولية لأن دور مصر التحررى يهز مركز القوة
الامريكية التى هى المنافس الاول للاتحاد السوفيتى .
ولكن جمال
عبد الناصر كان واعياً ، على عكس كل الدعايا المغرضة ، لأن هناك حدود
لعلاقاته مع الاتحاد السوفيتى . فاستقلال الارادة المصرية كان بالنسبة له
قضية لا مجال فيها لنصاف الحلول ، ومن هنا شهدت هذه الفترة صعوداً وهبوطاً فى العلاقات المصرية السوفيتيه ،
ولعل تلك المساجلة العلنية النى حدثت فى حفل انطلاق الشرارة الاولى فى
مشروع السد العالى هى أكبر دليل على رفض جمال عبد الناصر السماح بالتدخل فى
شئوننا الداخلية من اى دولة كبرى .
ففى تلك الايام كانت مصر تحتفل احتفالاً ضخماً ببدء بناء السد العالى ، وكان ضيوف الشرف فى الاحتفال رؤساء الدول العربية وفى مقدمتهم الرئيس عبد السلام عارف من العراق،
وكان نيكيتا خروشوف على رأس ضيوف مصر تقديراً للدور الذى لعبه الاتحاد
السوفيتى فى حرب 56 ، وبعدها فى تقديم المعونة فى بناء السد العالى . وبدأ الضيوف بالقاء كلماتهم فى الاحتفال بموقع السد فى اسوان ، وكان جمال عبد الناصر آخر المتحدثين باعتباره رئيس الدولة المضيفة .
وكان للرئيس خروشوف مواقفه الدولية التى كثيراً ما تتسم بالتلقائية ، وفى
كلمته عمد الى الحديث عن الشيوعية كمذهب وكنظام سياسى ، وانها النظام
الكفيل بتحقيق أمانى العمال .
ووقف جمال عبد الناصر ليلقى خطابه ، فنحى جانباً الكلمة التى اعدها ، وبدأ حديثه : وسرعان ما وصل الى التعليق على كلام خروشوف ،
أكد عبد الناصر على ان حرية الارادة المصرية مطال غالِ ، كلف شعبنا نضالاً
طويلاً عبر تاريخه ولم يتحقق إلا بالثورة عام 1952 ، وان شعب مصر الذى خاض
حرباً ضروساً فى عام 1956 ، دفاعاص عن ارادته الحرة ، غير مستعد لأن يفرط
بذرة واحدة من حريته فى اختيار نظامه السياسى ، الذى ينبع من تاريخه
ومعتقداته . وركز على ان شعب مصر الذى يحترم علاقات الصداقة بالشعوب الاخرى ، يرفض اىة محاولة لن تتعدى هذه الصداقة حدودها . تعمد عبد الناصر ان يرد على نيكيتا خروشوف فوراً وعلنياً ، ليحدد بوضوح وحسم أساس علاقات دولة نامية بدولة كبرى . ولم يكن ما قاله عبد الناصر فى ذلك إلا تعبيراً عن احساس كل مصرى ،
وبالفعل فلقد انتهى بناء السد العالى بعد سنوات من العمل المضنى الذى شارك
فيه خبراء سوفيت مع العمال المصريين ، ولم يتحول عامل مصرى واحد الى
الشيوعية .