2005 : جماعة الاخوان تخوض الانتخابات البرلمانية في جمهورية مصر العربية تحت شعار "الاسلام هو الحل ... شرع الله عز و جل"
2011: جماعة الاخوان و السلفيين يحتشدون في ميدان التحرير و يستقدموا مئات
الالاف من المصريين في جمعة اسموها "جمعة تطبيق الشريعة "مرددين الشعب
يريد تطبيق شرع الله" * بين هذين
التاريخين (2005،2011) اطلق التيار المتأسلم في مصر العديد و العديد من
الهتافات و الشعارات المنادية بتطبيق الشريعة الاسلامية و قد زادت حدة هذه
الشعارات بعد انتفاضة الشعب المصري (25 يناير 2011) و خلع مبارك و قد كانت
هذه الشعارات هي تميمة الحظ للاخوان في انتخابات 2005 لحصد 88 مقعد من
مقاعد البرلمان ، كما كانت هي نفس هذه التميمة التى جعلت جماعة الاخوان و
ذراعها السياسي "حزب الحرية و العدالة" و التيار السلفي و ذراعه السياسي
"حزب النور" يحصدون غالبية مقاعد برلمان 2011
و لكن الشيء الغريب و
الملفت للنظر ان لا الاخوان و لا السلفيين قدموا لنا تعريفا واضحة لكيفية
تطبيق الشرية و لا احدا ممن انتخبهم سألهم أو سأل نفسه هذا السؤال .
و هو ما دفعنى و ربما دفع غيري ان نسأل أنفسنا ماذا يقصد هؤلاء بتطبيق شرع
الله ، و قد حاولت من خلال السطور القادمة ان استقي من تصريحات قيادات هذه
التيارات أو من ادبياتهم ما قد يكون إجابة على سؤالى و اضع هذا الفهم جانب
ما فهمته و قرأته من تعاليم الاسلام العظيم و حتى لا يتبادر لذهن قارئ هذه
السطور انى رافضا لتطبيق شريعة الله او علمانيا ادعو لفصل الدنيا عن الدين
، ابادره القول بأني مسلم شديد الاعتزاز بدينى مشتاقا لتطبيق شريعة الله و
لكن شريعة الله لا أحدا سواه .
- و في كل الاحوال دعونا الان نتشارك في الاجابة على هذه الاسئلة :
فهل المقصود من تطبيق شرع الله هو دفع الناس إلى العبادات و الطاعات
بالقوة و تقنين عقوبات ضد كل من يتخلف عن اداء اي طاعة ، أو بمعنى اخر
انشاء كيان اشبه بالشرطة الدينية "على غرار هيئة الامر بالمعروف و النهي عن
المنكر الموجودة بالسعودية" ؟؟؟؟؟ اعتقد ان هذا ليس من الشريعة في
شيء و هناك من الأيات القرآنية الكريمة ما يتنافى مع هذا المفهوم ، فكيف
يستقم مفهوم ارغام الناس على الطاعات مع قوله عز و جل "وأْمُرْ أَهْلَكَ
بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا" (طه 132) و قوله "و لَوْ شَاء رَبُّكَ
لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ
حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ" (يونس 99) و قوله تعالى " ادْعُ إِلَى
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن
سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (النحل 125) و قوله جل شأنه
"و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" (آل عمران 159) ... و كل هذه
الآيات و غيرها هي دعوة صريحة للدعوة بالرفق و اللين و الاقناع لا القوة و
الشده و العنف .
اذن فشريعة الله تعنى تطبيق الحدود المنصوص عليها في القرآن الكريم و اقامة الجزية على أهل الذمه ؟؟؟؟
فبالنسبة لاقامة الجزية فقد اجتمعت معظم الاراء الفقهية ان الجزية
تؤخذ من اهل الذمة مقابل الدفاع عنهم و تسقط اذا ما شارك هؤلاء في الدفاع
عن البلاد المفتوحة بجانب المسلمين و لهذا فالحديث عن اقامة الجزية في
بلدان صار فيها التجنيد اجباريا لكل مواطني الدولة بغض النظر عن اديانهم ما
هو الا هراء لا طائل منه .
أما بالنسبة لمسألة اقامة الحدود
فمع تسليمنا الكامل بوجوب تطبيقها الا اننا يجب ان ننظر اليها ككجزء من
الشريعة الاسلامية و عدم اختزال الشريعة في تطبيق هذه الحدود فمن غير
المنطقي ان يأتي دين بعظمة و سماحة الاسلام لتطبيق 6 حدود و كفى ، كما ان
احدا ممن يحدثنا عن تطبيق هذه الحدود لم يحدثنا عن فلسفة تطبيق الحدود فكيف
لي ان اطبق حد السرقة على سبيل المثال في وطن يعيش اكثر من نصفه تحت خط
الفقر ، أليس الاولى الحديث عن خطة واضحة لتطبيق عدالة اجتماعية حقيقة
نستطيع من خلالها القضاء او على الاقل تقليل نسبة الفقر للحد الادنى ثم
نتحدث عن تطبيق حد السرقة (و هذا الكلام ليس ابتداعا منى بل طبقه الفاروق
عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما اوقف العمل بحد السرقة في عام الرمادة
عندما اشتد الفقر بالعباد) - تتبقى نقطة أخيرة في مسألة الحدود ان
اهم شرط للتطبيق الحدود هو الاعتراف و ان لم يتم هذا الاعتراف يطبق على
المذنب عقوبة تعذيرية (السجن)
سيرد على البعض الان قائلا ان
مفهوم الشريعة هو ان يكون القرآن هو دستونا و ان تطبق الدولة النظام
السياسي الاسلامي و النظام الاقتصادي الاسلامي
و مع ايماني
الشديد بان القرآن الكريم هو دستور حياتنا و لكنى أسأل من يقولون ان القرآن
دستورنا و ما حاجة لنا بدستور غيره و ان الدساتير الوضعية لا مكان لها في
شريعة الاسلام .... اذن لماذا وضع الرسول صلوات ربي و سلامه عليه "الصحيفة
أو عهد المدينة" عندما هاجر الي المدينة المنورة و التي تعد اول دستورا
مدنيا عرفه التاريخ دعا من خلاله الرسول لاقامة حياة تقوم على المواطنة
(بين مسلمي و يهود المدنية) و الشورى و العدل و العدالة الاجتماعية ؟؟؟؟؟؟ و
بالتأكيد لا أحد منا و لا من هؤلاء اعلم بالاسلام من رسول الله
و بالنسبة لمسألة النظام السياسي الاسلامي و النظام الاقتصادي الاسلامي
فينبغي علينا قبل ان نردد هذه المفاهيم ان نعلم ان الاسلام جاء دينا شاملا
لكل مناحي الحياة و صالحا لكل زمان و مكان و لكن الاسلام و شريعته الغراء
وضعا عددا من المبادئ الحاكمة و الضوابط و تركا التفاصيل لتتغير مع تغير
الزمان و المكان طالما ان هذه التغييرات لا تتنافى مع الضوابط الاسلامية
الموضوعة
قالاسلام وضع اسس للنظام السياسي منها ان نختار
الحاكم القوي الامين و ان يتسم النظام بالشورى و العدل ... إلخ و لكن
تفاصيل اختيار هذا الحاكم تركها الاسلام طبقا لتغير الظرف و التاريخ
الاسلامي يشهد بذلك فعندما فاضت روح الرسول صلى الله عليه و سلم إلى بارئها
عقد المهاجرون و الانصار جلسة انتهوا منها لاختيار الصديق أبو بكر لخلافة
رسول الله في نظام اشبه ما يكون في عصرنا بالاستفتاء ، و قبل وفاة الصديق
اوصى ان تؤول الخلافة من بعده للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه (في نظام
اقرب للتوريث) ثم اختار عمر ستة من صحابة رسول الله ليعقبه احدهم في
الخلافة و اختار المسلمون منهم ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه في
نظاك اقرب للانتخاب في عصرنا الحالي .... و من هذا نرى ان تفاصيل اختيار
الحاكم اختلفت بل ان تفاصيل النظام نفسها اختلفت مع الابقاء و المحافظة على
الضوابط الاساسية.
و في الاقتصاد وضع لا الاسلام عددا من
الاسس ايضا كتحريم الربا و تحليل الشراكة و غير ذلك و لكن التفاصيل اختلفت
ايضا مع اختلاف الظرف ، فالتاريخ يعلمنا ان عثمان بن عفان رضى الله عنه
اقطع بعضا من رجال دولته و اقاربه مجموعة من الاراضي (نظام اشبه
بالرأسمالي) فجاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ليعيد هذه الاراضي لحياض
الأمة الاسلامية (في نظام أشبه بالاشتراكية) و من هذا نخلص ان الخليفتين
الراشدين اختلافا في كيفية ادارة امور البلاد اقتصاديا مع عدم اخلالهما
بالاسس الاقتصادية . و من هذا نستنج ان الاسلام يسمح بتعدد الرؤى و
الافكار الاقتصادية و السياسية بشرط الا تتنافى مع ما وضعه الاسلام من
ضوابط عامة فلا يحق لاحد ان يقرن نظام بعينه مع الاسلام .
اذن فكل التفسيرات السابقة لما تدعيه هذه الجماعات و التيارات عن تطبيق
الشريعة لم تعطنا اجابة شافية عن التعريف الحقيقي لشريعة الله ... و لهذا
فمن الواجب علينا الان في رحلة بحثنا عن الحقيقة ان نسأل أنفسنا سؤالا اخر
نستطيع من خلالها ايجاد جواب لسؤالنا عن مفهوم تطبيق الشريعة و هو " ما هي
مقاصد الشريعة الاسلامية ؟؟" و يمكن حصر تلك المقاصد في نقطتين رئيسيتين :
- نفي الضرر ورفعهِ وقطعهِ.
- الكليات الشرعية الخمس (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال)
§ و المتأمل لهذه المقاصد سيجد ان ضرورة تحقيقها تتلخص في اقامى نظام حر
يقوم على العدالة الاجتماعية الحقيقية يستطيع ان يكون فيه الانسان امنا على
نفسه ، حرا في التعبير عن رأيه ( و بذلك نحفظ النفس) ، يمتلك فيه
احتياجاته الاساسية المتوفرة في المأكل و المشرب و السكن و التعليم و
العلاج (و في هذا حفظا للنفس و الدين و العقل و المال و النسل) و يأتي بعد
ذلك دور الدولة في سن القوانين و اقامة الحدود للدفاع عن مواطنيها و اقامة
العدل فيما بينهم و لاخراج جيل قادر على رفع راية الاسلام
و للاسف هذا مالم تحدثنا عن كيفية تطبيقه هذه الجماعات و التيارات التى
اختزلت الاسلام في تطبيق الحدود و افامة الجزية و حتى ما ورد في بعض
تصريحات قادة هذه الجماعات في هذا الصدد لا يزيد عن كونه شعارات فضفاضة و
كلام لا يمكن تفسيره تفسيرا واضحا
و لهذا اعتقد ان اي
كلام عن تطبيق شريعة الله دون حديث واضح و وضع برامج واضحة عن كيفية توفير
الحرية و العدالة الاجتماعية لا يزيد عن كونه فهم ضيق للاسلام العظيم و
شرعته السمحة او تجارة باسم الاسلام لكسب تعاطف الشارع المتدين بطبعه و
تحقيق اكبر قدر من المكاسب السياسية .
نعم جميعنا يريد
تطبيق شريعة الله و لكن نريد تطبيق الشريعه تطبيقا صحيحا طبقا لما اقره
الاسلام لا طبقا لاهواء هذه الجماعة أو تلك .