الفتوى الصادرة من لجنة الفتوى بالأزهر الشريف بتحريم الصلح الدائم مع الكيان الإسرائيلى ووجوب الجهاد
06.26.2013, 3:00 AM
الفتوى الصادرة من لجنة الفتوى بالأزهر الشريف بتحريم الصلح الدائم مع الكيان الإسرائيلى ووجوب الجهاد- فى يناير سنة 1956م
حيث أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف برئاسة الشيخ حسنين مخلوف فتواها
بشأن الموقف الإسلامى من إنشاء ما يُسمى دولة إسرائيل ومن الدولة
الاستعمارية التى تساندها ومن الصلح معها، وكان الجواب التالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
اجتمعت لجنة الفتوى بالجامع الأزهر فى يوم الأحد 18 جمادى الأولى سنة
1375هـ الموافق (أول يناير سنة 1956م) برئاسة السيد صاحب الفضيلة الأستاذ
الشيخ حسنين محمد مخلوف عضو جماعة كبار العلماء ومفتى الديار المصرية
سابقًا وعضوية السادة أصحاب الفضيلة الشيخ عيسى منون عضو جماعة كبار
العلماء وشيخ كلية الشريعة سابقا (الشافعى المذهب) والشيخ محمد شلتوت عضو
جماعة كبار العلماء (الحنفى المذهب) والشيخ محمد الطنيخى عضو جماعة كبار
العلماء ومدير الوعظ والإرشاد (المالكى المذهب) والشيخ محمد عبد اللطيف
السبطى عضو جماعة كب العلماء ومدير التفتيش بالأزهر (الحنبلى المذهب)
وبحضور الشيخ زكريا البرى أمين الفتوى.
ونظرت فى الاستفتاء الآتى وأصدرت فتواها التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد فقد اطلعت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف على الاستفتاء المقدم إليها
عن حكم الشريعة الإسلامية فى إبرام الصلح مع إسرائيل التى اغتصبت فلسطين
من أهلها وأخرجتهم من ديارهم وشردتهم نساء وأطفالا وشيبًا وشبانًا فى آفاق
الأرض واستلبت أموالهم واقترفت أفظع الآثام فى أماكن العبادة والآثار
والمشاهد الإسلامية المقدسة وعن حكم التواد والتعاون مع دول الاستعمار التى
ناصرتها وتناصرها فى هذا العدوان الأثيم وأمدتها بالعون السياسى والمادى
لإقامتها دولة يهودية فى هذا القطر الإسلامى بين دول الإسلام وعن حكم
الأحلاف التى تدعو إليها دول الاستعمار والتى فى مراميها تمكين إسرائيل ومن
ورائها الدول الاستعمارية أن توسع بها رقعتها وتستجلب بها المهاجرين إليها
وفى ذلك تركيز لكيانها وتقوية لسلطانها مما يضيق الخناق على جيرانها ويزيد
فى تهديدها لهم ويهيئ للقضاء عليهم.
وتفيد اللجنة أن الصلح مع
إسرائيل كما يريده الداعون إليه، لا يجوز شرعًا لما فيه من إقرار الغاصب
على الاستمرار فى غصبه، والاعتراف بحقية يده على ما اغتصبه، وتمكين المعتدى
من البقاء على دعواه، وقد أجمعت الشرائع السماوية والوضعية على حرمة الغصب
ووجوب رد المغضوب إلى أهله وحثت صاحب الحق على الدفاع والمطالبة بحقه، ففى
الحديث الشريف: "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قٌتل دون عرضه فهو شهيد"
وفى حديث آخر "على اليد ما أخذت حتى ترد" فلا يجوز للمسلمين أن يصالحوا
هؤلاء اليهود الذين اغتصبوا أرض فلسطين واعتدوا فيها على أهلها وعلى
أموالهم على أى وجه يمكن اليهود من البقاء كدولة فى أرض هذه البلاد
الإسلامية المقدسة، بل يجب عليهم أن يتعاونوا جميعًا على اختلاف ألسنتهم
وألوانهم وأجناسهم لرد هذه البلاد إلى أهلها، وصيانة المسجد الأقصى مهبط
الوحى ومصلى الأنبياء الذى بارك الله حوله، وصيانة الآثار والمشاهد
الإسلامية من أيدى هؤلاء الغاصبين وأن يعينوا المجاهدين بالسلاح وسائر
القوى على الجهاد فى هذا السبيل وأن يبذلوا فيه كل ما يستطيعون حتى تطهر
البلاد من آثار هؤلاء الطغاة المعتدين.
قال تعالى: "وأعدوا لهم
ما استطعم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من
دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم" ومن قصر فى ذلك أو فرط فيه أو خذل المسلمين
عنه أو دعا إلى ما من شأنه تفريق الكلمة وتشتيت الشمل والتمكين لدول
الاستعمار والصهيونية من تنفيذ خططهم ضد العرب والإسلام وضد هذا القطر
العربى والإسلامى فهو فى حكم الإسلام مفارق للجماعة المسلمة ومقترف أعز
الآثام كيف ويعلم الناس جميعًا أن اليهود يكيدون للإسلام وأهله ودياره أشد
الكيد منذ عهد الرسالة إلى الآن، وأنهم يعتزمون أن لا يقفوا عند حد
الاعتداء على فلسطين والمسجد الأقصى وإنما تمتد خططهم المدبرة إلى امتلاك
البلاد الإسلامية الواقعة بين نهرى النيل والفرات، وإذا كان المسلمون
جميعًا ـ فى الوضع الإسلامى ـ وحدة لا تتجزأ بالنسبة إلى الدفاع عن بيضة
الإسلام فإن الواجب شرعًا أن تجتمع كلمتهم لدرء هذا الخطر والدفاع عن
البلاد واستنقاذها من أيدى الغاصبين، قال تعالي: "واعتصموا بحبل الله
جميعًا ولا تفرقوا" وقال تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه
حقًا فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم
الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم"، وقال تعالي: "الذين آمنوا يقاتلون
فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان
إن كيد الشيطان كان ضعيفا".
وأما التعاون مع الدول التى تشد أزر
هذه الفئة الباغية وتمدها بالمال والعتاد وتمكن لها من البقاء فى الديار
فهو غير جائز شرعًا، لما فيه من الإعانة لها على هذا البغى والمناصرة لها
فى موقفها العدائى ضد الإسلام ودياره
قال تعالي: "إنما ينهاكم
الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن
تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون". وقال تعالي: "لا تجد قومًا يؤمنون
بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو
أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح
منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنه ورضوا
عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون".
وقد جمع الله
سبحانه فى آية واحدة جميع ما تخيله الإنسان من دوافع الحرص على قراباته
وصِلاته وعلى تجارته التى يخشى كسادها، وأمر بمقاطعة الأعداء وحذر المؤمنين
من التأثر النفسى بشىء من ذلك واتخاذه سببًا لموالاتهم، فقال تعالي: "قل
إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها
وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى
سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره إن الله لا يهدى القوم الفاسقين".
ولا ريب أن مظاهرة الأعداء وموادتهم يستوى فيها إمدادهم بما يقوى جانبهم
ويثبت أقدامهم بالرأى والفكرة وبالسلاح والقوة-سرًّا وعلانية- مباشرة وغير
مباشرة، وكل ذلك مما يحرم على المسلم مهما تخيل من أعذار ومبررات، ومن ذلك
يعلم أن هذه الأحلاف التى تدعو إليها الدول الاستعمارية وتعمل جاهدة لعقدها
بين الدول الإسلامية ابتغاء الفتنة وتفريق الكلمة والتمكين لها فى البلاد
الإسلامية والمضى فى تنفيذ سياساتها حيال شعوبها لا يجوز لأى دولة إسلامية
أن تستجيب لها وتشترك معها لما فى ذلك من الخطر العظيم على البلاد
الإسلامية وبخاصة فلسطين الشهيدة التى سلمتها هذه الدول الاستعمارية إلى
الصهيونية الباغية نكاية فى الإسلام وأهله وسعيًا لإيجاد دولة لها وسط
البلاد الإسلامية لتكون تكأة لها فى تنفيذ مآربها الاستعمارية الضارة
بالمسلمين فى أنفسهم وأموالهم وديارهم، وهى فى الوقت نفسه من أقوى مظاهر
الموالاة المنهى عنها شرعًا والتى قال الله تعالى فيها: "ومن يتولهم منكم
فإنه منهم" وقد أشار القرآن الكريم إلى أن موالاة الأعداء إنما تنشأ من مرض
فى القلوب يدفع أصحابها إلى هذه الذلة التى تظهر بموالاة الأعداء فقال
تعالي: "فترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا
دائرة فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا فى
أنفسهم نادمين".
وكذلك يحرم شرعًا على المسلمين أن يمكنوا
إسرائيل ومَن وراءها من الدول الاستعمارية التى كفلت لها الحماية والبقاء
من تنفيذ تلك المشروعات التى يُراد بها ازدهار دولة اليهود وبقاؤها فى رغد
من العيش وخصوبة فى الأرض حتى تعيش كدولة تناوئ العرب والإسلام فى أعز
دياره. وتفسد فى البلاد أشد الفساد وتكيد للمسلمين فى أقطارهم، ويجب على
المسلمين أن يحولوا بكل قوة دون تنفيذها ويقفوا صفًّا واحدًا فى الدفاع عن
حوزة الإسلام وفى إحباط هذه المؤامرات الخبيثة التى من أولها هذه المشروعات
الضارة، ومَن قَصَّر فى ذلك أو ساعد على تنفيذها أو وقف موقفًا سلبيًّا
منها فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.
وعلى المسلمين أن ينهجوا نهج
الرسول صلى الله عليه وسلم ويقتدوا به، وهو القدوة الحسنة فى موقفه من أهل
مكة وطغيانهم بعد أن أخرجوه ومعه أصحابه رضوان الله عليه من ديارهم وحالوا
بينه وبين أموالهم وإقامة شعائرهم ودنسوا البيت الحرام بعبادة الأوثان
والأصنام فقد أمره الله تعالى أن يعد العدة لإنقاذ حرمه من أيدى المعتدين
وأن يضيق عليهم سبل الحياة التى بها يستظهرون فأخذ عليه الصلاة والسلام
يضيق عليهم فى اقتصادياتهم التى عليها يعتمدون، حتى نشبت بينه وبينهم
الحروب، واستمرت رحى القتال بين جيش الهدى وجيوش الضلال، حتى أتم الله عليه
النعمة، وفتح على يده مكة، وقد كانت معقل المشركين فأنقذ المستضعفين من
الرجال والنساء والولدان، وطهر بيته الحرام من رجس الأوثان، وقلم أظافر
الشرك والطغيان.
وما أشبه الاعتداء بالاعتداء، مع فارق لا بد من
رعايته وهو أن مكة كان بلدًا مشتركًا بين المؤمنين والمشركين، ووطنًا لهم
أجمعين بخلاف أرض فلسطين فإنها ملك للمسلمين وليس لليهود فيها حكم ولا
دولة. ومع ذلك أبى الله تعالى إلا أن يظهر فى مكة الحق ويخذل الباطل ويردها
إلى المؤمنين، ويقمع الشرك فيها والمشركين فأمر سبحانه وتعالى نبيه صلى
الله عليه وسلم بقتال المعتدين قال تعالي: "واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم
من حيث أخرجوكم".
والله سبحانه وتعالى نبه المسلمين على رد
الاعتداء بقوله تعالي: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم"
ومن مبادئ الإسلام محاربة كل منكر يضر العباد والبلاد، وإذا كانت إزالته
واجبة فى كل حال، فهى فى حالة هذا العدوان أوجب وألزم. فإن هؤلاء المعتدين
لم يقف اعتداؤهم عند إخراج المسلمين من ديارهم وسلب أموالهم وتشريدهم فى
البلاد، بل تجاوز ذلك إلى أمور تقدسها الأديان السماوية كلها وهى احترام
المساجد وأماكن العبادة وقد جاء فى ذلك قوله تعالي: "ومن أظلم ممن منع
مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها
إلا خائفين لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الآخرة عذاب عظيم".