في منتجع على شاطيء البحر الميت بالقرب من العاصمة الأردنية عمان وقفت
أثناء راحة من اجتماع العمل، أدخن سيجارة وأنظر عبر البحر للشاطيء الآخر
حيث فلسطين المحتلة، حيث ربى التلال "الحزينة كوجه المجدلية"، والمتشحة
بالسواد تتخللها بقع النور الضيقة المختنقة، كدت أسمع في أذني صوت الشيخ
إمام وهو يقول "شط الزتون شطي والأرض عربية" حين قطع أفكاري رنين رسالة
قصيرة استقبلها هاتفي الجوال، فتحت
الرسالة فكانت تلك الرسالة التقليدية التي تصلك أثناء التجوال الدولي ومفصل
بها أسعار الخدمة في البلد التي تزورها، رسالة تقليدية لكن محتواها لم يكن
كذلك
فودافون مصر ترحب بك في إسرائيل
يا ولاد الكلب؟ ترحب بمين .. فين؟
التقط الجوال شبكة العدو الصهيوني عبر المسافة القصيرة، وهو أمر طبيعي في
المناطق الحدودية (وإن كان وجود إسرائيل نفسها ليس طبيعيا)، لكن العبارة
كانت قاتلة .. خاصة لو أغفلت اسم الشركة فقرأتها "مصر ترحب بك في إسرائيل"
.. على رأي السيد حسن نصر الله يوم قال تعليقا على منطق عصابة 14 آذار:صارت
هيك؟ .. هي خلاص بقت كدة؟
لست غائبا عن العالم، أعرف تماما كيف
وصل بنا التطبيع للدرك الأسفل، وأن هناك بضعة آلاف من الشباب المصري يعيشون
في إسرائيل ويصاهرون الصهاينة ويسعون للحصول على الجنسية القذرة، وأن هناك
رجال أعمال (أعمال سفلية تحديدا) يسافرون للكيان الصهيوني أكثر مما
يسافرون لأي بلد عربي آخر، وأن التصدير والاستيراد على أقذر ما يرومه
المطبعون، وأن الكويز أتت بهم للمحلة الكبرى وكفر الدوار، أدخلت العدو غرفة
النوم، وأن شركات الاتصالات يهمها عائد التجوال حتى لو كان تجوالك في
الجحيم، فسيرحبون بك في جهنم ويخبرونك بسعر الدقيقة ورقم خدمة العملاء، وأن
وأن وأن .. وكل أن بعدها مصيبة، ومع ذلك صدمتني العبارة العاهرة .. مصر
ترحب بي في إسرائيل .. وطني يرحب بي في بلاد الأعداء ويتمنى لي في نهاية
الرسالة إقامة سعيدة في إسرائيل .. يا أحمد عبد العزيز وخمسة آلاف شهيد
عربي في حرب 48، يا جول جمال وثلاثة آلاف شهيد في عدوان 56، يا حسني حماد
وثمانية عشر ألف شهيد عربي في حرب 67، يا إبراهيم الرفاعي وتسعة عشر ألف
شهيد في حرب 73، يا أغلى رجال مصر وسوريا والعراق والأردن وفلسطين، فودافون
مصر ترحب بي في إسرائيل .. اللعنة اللعنة اللعنة يا بلدنا سبع مرات ..
ملعون الحل السلمي .. أو نندب ع اللي مات