جمال فهمي يكتب: من «يوليو» إلـــــى «يناير».. عاش جمال عبد الناصر
06.21.2013, 1:11 AM
كنت ما زلت أرفل فى اليفاعة وبواكير العمر عندما عشت ذلك المشهد الذى ختم
أول رحلة طويلة أمضيتها خلف جدران زنازين فشلت عتمتها فى إفساد جمال لوحة
هائلة ورائعة لم يكن العبد لله سوى نقطة فيها أو ضربة ريشة واهنة على سطحها
المفعم بزحام المكونات والتفاصيل المدهشة.. ففى خلفية تلك اللوحة الحية
النادرة المسجونة كانت تتمدد وتتراصّ وجوه عشرات الآلاف
من بسطاء الناس من شتى الفئات والأعمار (بمن فيهم أطفال) أما صدارتها فبدت
تضج بألوان الطيف السياسى والفكرى المصرى وتزهو بمئات الشخصيات المرموقة
التى تكاد تختصر تنوُّع وثراء الضمير الوطنى كله تقريبا.. كتابا وصحفيين
ومبدعين وقادة سياسيين ونقابيين وقادة فى الحركة الطلابية.
هؤلاء
جميعا كان المرحوم الأستاذ أنور السادات قد حشرهم خلف أسوار السجون عشية
انتفاضة الشعب فى 18 و19 يناير عام 1977 متهمًا إياهم بالمشاركة أو التحريض
على هذه الانتفاضة النبيلة التى سماها «انتفاضة حرامية».
وأعود
إلى مشهد ختام رحلة السجن الأولى.. فقد صدر القرار القضائى بالإفراج عنى مع
اثنين من زملائى، وعرفنا بالقرار صباح اليوم التالى لجلسة المحكمة (التى
كنا مثلنا أمامها للمرة الرابعة) عندما أبلغونا بأن نلملم حاجياتنا بسرعة،
لأن قوة من إدارة ترحيل المساجين وصلت وتنتظرنا، غير أننا تلكأنا وحاولنا
قدر ما نستطيع تطويل زمن لحظات لا تنسى أمضيناها ونحن نتنقل بين أحضان
عشرات رفاق السجن (سجن أبى زعبل) الذين اختلطت تهانيهم الحارة بدموعهم
ودموعنا، لكننا أخيرًا غادرناهم، وغاب ثلاثتنا فى جوف صندوق سيارة الترحيل
الحديدى الكئيب.
تحركت السيارة وأخذت تلتهم الطريق إلى قلب
القاهرة، بينما نحن نترجرج ونتمخمض فيها بعنف احتملناه برحابة صدر على أمل
أنه المشوار الأخير قبل الحرية، فحتى ساعتها لم نكن نعلم أن تنفيذ قرار
الإفراج مؤجل إلى الغد بسبب مصادفة أن هذا اليوم كان إجازة رسمية (لمناسبة
ما) وكل شىء فيه عدا القمع والسجون معطل بما فى ذلك تنفيذ أحكام القضاء
بالإفراج، لكننا عرفنا أن عمر حبستنا سيمتد ليوم آخر عندما توقف الصندوق
الذى يحملنا أمام بوابة «سجن الترحيل» العتيد الملحق بقسم شرطة الخليفة فى
قلب القاهرة القديمة.
أنهينا إجراءات دخول سجننا الجديد الذى هو
عبارة عن مكان احتجاز مؤقت يتكون من ثلاث «تخشيبات» أو عنابر أولاها
وأكبرها مخصصة للمساجين الرجال، والثانية (العلوية) للنساء، أما التخشيبة
الأصغر (والأقل قذارة) فكان يطلق عليها آنذاك «تخشيبة الأجانب» لأن سكانها
هم عادة من الموقوفين غير المصريين سواء الذين ينتظرون الترحيل من البلاد
أو المتهمين فى قضايا جنائية ما زالت منظورة أمام المحاكم.. طبعًا كان
نصيبنا السكن فى تخشيبة المصريين الرجال التى كابدنا فيها أسوأ ساعات رحلة
السجن الطويلة قبل أن يأتينا الفرج عندما رق قلب ضابط شاب صعب عليه حالنا
فقرر على مسؤوليته الشخصية نقلنا نحن «الطلبة» الثلاثة إلى تخشيبة الأجانب
لكى نمضى فيها ليلة الحبس الأخيرة.
أظن أن فرحتنا الحقيقية
بالإفراج تحققت فى اللحظة التى كنا نعبر فيها تلك الطرقة الصغيرة الفاصلة
بين عالمين وزنزانتين.. فى زنزانتنا الجديدة جرى استقبالنا بحفاوة شديدة
تبارى فيها نزلاؤها الخمسة الذين لم يكن فيهم أى أجنبى سوى «ميشا»، وهو رجل
من رعية الدولة المسماة آنذاك «يوغوسلافيا»، أما النزلاء الأربعة الباقون
فقد كانوا شبانًا فلسطينيين ينتمون إلى تنظيمات مقاومة مختلفة، لكن
«تخشيبة» نظام الرئيس السادات جمعتهم تحت سقف واحد فى انتظار الترحيل من
مصر.. فقط لأنهم يتبنون عقيدة مقاومة وقتال إسرائيل.
انتهت مراسم
الاستقبال وتحلق حولنا سكان التخشيبة الأصليون دون أن ينسوا واجب الضيافة
فقد أمر «بسام» الفلسطينى «ميشا» اليوغوسلافى أن يعمل لنا شايًا بسرعة
ويجهز لنا طعاما (سمع «ميشا» الأمر باللغة العربية وأدهشنا أنه يفهمها
ويستخدمها بإتقان اكتسبه من طول البقاء فى السجن، حيث كان ينتظر الحكم عليه
فى قضية تهريب مخدرات).
إذن.. فقد استوينا قاعدين على أرض
زنزانتنا الجديدة فى سجن الترحيل، وعلى الفور بدأنا عملية تعارف سريعة
تبادلنا خلالها مع سكان «تخشيبة الأجانب» الأصليين، ليس الأسماء ونوع العمل
أو الدراسة فقط وإنما أطلع كل واحد منا رفاقه على عقيدته السياسية
وانتمائه الفكرى والتنظيمى (إن وجد) وتطوع أحد السكان القدامى وعرفنا
بـ«ميشا» اليوغوسلافى وقدمه لنا بوصفه مناضلا أشوس وقياديا بارزا فى حركة
«الحشاشين» الأممية التى شعارها «يا مساطيل العالم اتحدوا».
ضحكنا
من القلب لأول مرة فى هذا اليوم الذى بدأ بقرار إفراج لم ينفَّذ وانتهى
بانخراطنا فى عوالم هذا السجن الفريد، ثم لم يمر وقت طويل قبل أن ينخرط
نزلاء الزنزانة جميعا فى جدل وحوار سياسى حميم تركز أساسًا على الأوضاع
السائدة فى مصر وقتها والتحولات والانقلابات الحادة والعنيفة اجتماعيا
وسياسيا التى بدأت معالمها الخطرة تظهر وتتفاقم بعد حرب أكتوبر (1973)
وتأثير هذه التحولات فى الحالة العربية عموما والقضية الفلسطينية بالذات،
ولكن فى لحظة انقلب الحديث فجأة من الكلام الوصفى والتحليلى الذى لم يُثِر
أى خلاف يذكر وتحولت دفة المناقشة إلى البحث والاجتهاد فى أسباب تلك
التحولات الكارثية، فقال «بسام» ما معناه إن بذورها كانت موجودة وراقدة فى
أحشاء دولة جمال عبد الناصر الذى كان قد مضى آنذاك على رحيله سبع سنوات
كاملة.. انبريت للرد بعنف على ما قاله هذا الشاب الفلسطينى الذى بدا لى
صارما وشديد الاعتداد برأيه، وارتفعت حرارة الجدل لدرجة لامست أحيانًا حدود
الشجار بين فريقين، أولهما قاده «بسام» وبقى فيه وحده تقريبا، والفريق
الثانى لم أتزعمه أنا، بل سجين فلسطينى آخر قاد (مع «ميشا» اليوغوسلافى)
فريق المدافعين عن عبد الناصر والمتحزبين لأفكاره ومنجزات ثورته والمتحمسين
لمشروعه الوطنى والتحررى بحرارة وصلت إلى حد الاقتراب مرات عدة من خطر
الاشتباك البدنى مع «بسام»!
ظل الصراع الكلامى مشتعلا على هذا
النحو حتى تعبت أغلبية نزلاء «التخشيبة» الذين أخذوا ينسحبون من حلبة
النقاش الملتهب واحدا بعد واحد.. وأخيرا وجدنا نفسيَنا أنا وبسام (كان
يكبرنى ببضع سنوات) نتصارع ونتقارع وحدنا متوسلين بحجج وحيثيات أعادها كل
منا وكررها بدل المرة مئة مرة، حتى جاءت النهاية أخيرا ونحن على عتبات فجر
اليوم الجديد.
حلّ الفجر وكلانا منهك جدا فتوقفنا فجأة عن الجدل
والنقار ودون أن نحفل بمن الذى غلب ولا من هو المغلوب، لكننا لم ننم
كالآخرين، بل غصنا كصديقين حميمين فى كلام إنسانى عذب وحكايات وطرائف لا
أول لها ولا آخر، وبقينا نستمتع بهذا السمر اللذيذ حتى اقتحمت شمس النهار
أرجاء «التخشيبة» وبددت عتمتها تماما، وأفقنا واستيقظ الرفاق كلهم على صوت
ترباس الباب وهو يتحرك محدثا جلبة عظيمة، فلما انفرج الباب أطل الحارس
علينا ودعا بلهجة صارمة الطلبة المصريين الثلاثة لأن يستعدوا للرحيل.
وإلى الآن ما زلت أذكر كيف أن روحى غاصت لحظتها فى كآبة موجعة فاقمتها
مراسم وداع رفاق الزنازين التى انخرطنا فيها للمرة الثانية فى أقل من 24
ساعة.. بكينا وسالت دموعنا كما سالت وانهمرت ونحن نترك الأصدقاء فى سجن أبى
زعبل، غير أنه لم يكن هناك مفر من قدر الفراق وحتمية أن يذهب بعضنا إلى
الحرية ويبقى البعض الآخر خلف قضبان هذا السجن الذى ما إن عبرنا بوابته حتى
قرع آذاننا صوت «بسام» ينادينى، وهو مشعلق فى قضبان «الطاقة» التى يمر
منها الضوء إلى «تخشيبة الأجانب» قائلا: أخى جمال.. أخى جمال بتسمعنى
(سامعنى)؟ قلت: نعم أسمعك، قال: صَرَّخ (اهتف) معى يا صديقى.. عاش جمال عبد
الناصر.. عاش جمال عبد الناصر.
انصعت وهتفت فعلا مع «بسام»: عاش جمال عبد الناصر..
كان فمى مملوءًا بملح الدموع وأنا أهتف، وكان العسكرى الغلبان الطيب الذى
يربطنى القيد الحديدى بإحدى يديه يتمتم هو أيضا هاتفا بلهجته الريفية: عاش
جمال عبد الناصر.. أو هكذا ظننت.