
الحديث عن نشأة التيار القومي الناصري ومراحل تطوره في القطر التونسي يستوجب بالضرورة تبيين علاقة هذا التيار الوثيقة بالخط الفكري و السياسي الذي ارساه رواد الحركة الوطنية و الاصلاحية ابتداءا بالداعية الكبير عبد العزيز الثعالبي الذي تحدث عن الوحدة العربية منذ عام 1985 مرورا بالعالم والامام الجهبذ محمد الطاهر بن عاشور الذي دعى الى تأسيسالكيان العربي الواحد الى الشهيد القائد صالح بن يوسف الذي كان بحق قائد الحركة الشعبية المطالبة بالاستقلال والتحرر الكامل و توحيد النضال المسلح في في اقطار المغرب العربي وصولا الى وحدة اقطاره المحررة.
من هذا المنطلق فإن وجود التيار الناصري في القطر التونسي له جذور عميقة و ماهو إلا امتداد لنضالات و تضحيات حركة التحرر الوطني خاصة الحركة اليوسفية.
كان العمل السياسي في القطر العربي التونسي مقتصرا على الجامعات عبر الحركة الطلابية التي كانت بحق الخزان المحرك للعمل الثوري مثلما كانت الجيوش هي هذا الخزان في اقطار اخرى.سيطر اليسار الماركسي بمختلف تفريعاته و فصائله على الحركة الطلابية في فترة الستينات و أوائل السبعينات.
قررت مجموعة من الطلاب الناصريين خوض تجربتهم الخاصة عبر تأسيس فصيل "الطلبة العرب التقدميون الوحدويون" في منتضف السبعينات وتبني التجربة والمشروع الناصري,فرض الفصيل الجديد نفسه في الحركة الطلابية وكان مساهما في كل التحركات الطلابية خاصة تلك المناهضة للنهج التفريطي للسادات و اتفاقيات كامب ديفيد. في اواخر السبعينات تبنى الطلبة العرب نظرية الثورة العربية للمفكر العربي الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة حيث شكل منهجها العلمي السلاح الأمضى للطلبة العرب في كل حلقات النقاش والاجتماعات العامة و الصراعات الفكرية مع كل الاطراف السياسية الأخرى الى حد وصف أحدهم النظرية ب"الناصرية العلمية".
فرض الطلبة العرب انفسهم كرقم صعب في الحركة الطلابية التونسية خاصة في فترة الثمانينات حيث شكلو بحق الخط الثالث في مواجهة الاستقطاب الثنائي بين الحركات الماركسية وحركات الاسلام السياسي الذي تحول في بعض الأحيان الى صراعات بالأيدي و الاسلحة البيضاء داخل الفضاء الجامعي.
في سنة 1987 وصل زين العابدين بن علي الى سدة الحكم مع وعود بإصلاح الوضع السياسي و الاجتماعي جعلت الكثير من الأطراف السياسية تهرول الى حضن السلطة في حين لم تنطلي هذه الوعود على التيار القومي التقدمي فأصدر بيانه المشهور عبر الطلبة العرب " أنها تتغير ، لا يتغير منها سوى الأغلفة" الذي وصفو فيه بن علي بعميل المخابرات الأمريكية.
تواجد التيار القومي التقدمي أيضا في كل المجالات و الأطر السياسية و لنقابية خاصة الإتحاد العام التونسي للشغل.
في أوائل التسعينات,شنت السلطة حملة أمنية شرسة على كل التيارات السياسية وضربت الجامعات بالرصاص ولم يفلت القوميون التقدميون من هذه الضربة وشهدت حركة الطلابية ركودا حادا منذ ذالك التاريخ الى حين إقدام بعض الشباب ممن إ‘نتسبوا للحلقات التلمذية للطلبة العرب على إعادة تأسيس فصيل سياسي قومي تقدمي داخل الجامعة هذه المرة تحت إسم "طلبة قوميون".
تمايزت تجربة "طلبة قوميون" بإنخراطها في الاتحاد العام لطلبة تونس.شاركت تجربة "طلبة قوميون" في عدة تحركات و نضالات وقدمت عشرات المساجين و المطرودين من الجامعات وكان مناضلوها دائما في الخط الأمامي للإشتباك اليومي مع الديكتاتورية والاطراف الانتهازية و الرجعية و المطبعين مع الكيان الصهيوني داخل الجامعة التونسية من إطارات و أساتذة.
مثلت " طلبة قوميون " تعبيرة سياسية للتيار القومي التقدمي داخل الجامعة عندما غابت تعبيرة لهذا التيار في الساحات الأخرى.
لم يتغيب الناصريون في تونس عن أي هبة نضالية شعبية بل كانو في مقدمتها دائما و تحركات الحوض المنجمي بالجنوب التونسي سنة 2008 ومدينة بن قردان سنة 2010 شاهدة على ذالك.
أما يوم 17 ديسمبر 2010,بعد إحراق محمد البوعزيزي نفسه جسده إحتجاجا على الظلم و الحيف الإجتماعي ,تصدر الناصريون المنابر أمام مقر ولاية سيدي بوزيد و قامو بتحشيد و تجييش الجماهير للتحرك والإحتجاج وقد رسخت في ذاكرة الناس كلمات المحامي الناصري "خالد عواينية" في جماهير سيدي بوزيد النتفضة أمام مقر الولاية "لاخوف بعد اليوم".واصل الناصريون التحامهم بالجماهير الشعبية إبان كل فترة الإنتفاضة الى حد يوم 14 جانفي وواصلوا استكمال مسيرة النضال وخاضوا اعتصامات القصبة 1 و 2 وكانوا من قياداتها حيث كان الناطق الرسمي باسم اعتصام القصبة 2 أحد ابناء تجربة "طلبة قوميون".
حاول الناصريون بناء أداتهم الحزبية تماشيا مع الواقع السياسي الجديد و تأثرت محاولاتهم الأولى بالظروف التي كان يعيشها التيار الناصري في السرية أيام الديكتاتورية و الخلافات التي خلفتها هذه الفترة فلم يتمكنوا من الدخول الى الإنتخابات بقوائم موحدة.لكن بعد المحطة الإنتخابية دخل الناصريون في مسار طويل يستهدف توحيد جهودهم في أداة سياسية واحدة أفرز حركة الشعب في شهر فيفري 2012,الحركة التي ضمت مجموعة كبيرة من أبناء التيار والتي تعتبر اليوم الرافعة السياسية الموحدة للتيار الناصري في تونس.
رغم فترة الردة والتراجع التي تشهدها الحركة القومية العربية بصفة عامة , يضل التيار الناصري في الساحة التونسية مدافها على المبادئ ثابتا على المنطلقات و مناضلا من أجل الغايات الكبرى في إقامة دولة الوحدة الإشتراكية الديمقراطية.